الراغب الأصفهاني
273
الذريعة إلى مكارم الشريعة
قالوا والكذب يكون قبيحا بثلاث شرائط : أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه ، وأن يكون المخبر قد اختلقه قبل الإخبار به ، وأن يقصد إيراد ما في نفسه ، لا نفعا أعظم من ضرر ذلك الكذب مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره ، ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلا وآجلا ، قالوا : ولا يلزم على هذا أن يقال جوزوا الكذب فيما يرجى منه نفع دنيوي ، فإن المنفعة الدنيوية ولو كانت ملك الدنيا بحذافيرها لا تعادل الضرر الحاصل من أدنى كذب ، وإنما هذا الذي قلناه يتصور في نفع أخروي يكون الإنسان فيه عاجلا وآجلا معذور كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله فيقول هل فلان في دارك « 1 » ؟ فتقول لا ، فهذا يجوز لأن نفع هذا الكذب موف على ضرره وهو فيه معذور ، ولا خلاف أن في المعاريض حيث يضطر الإنسان إليها تجوز ، ولذلك قيل « 2 » في المعاريض مندوحة عن الكذب ، ولم يزل الأنبياء والأولياء يفزعون إليها كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمن سأله من أين أنت فقال من الماء وقول إبراهيم عليه السّلام : إِنِّي سَقِيمٌ وقوله ( هذه أختي ) وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا . وأما الصدق : فإنما يحسن حيث يتعلق به نفع ولا يلحق ضررا بأحد ، فمعلوم قبح قول من يقعد ويقول السماء فوقي والأرض تحتي من غير أن يريد أن يجعل هذا مقدمة دليل أو إفادة معنى يعلقه به وكذا تقبح النميمة والغيبة والسعاية وإن كان ذلك صدقا ، ولذلك قيل كفى بالسعاية ذما أنه يقبح فيها الصدق .
--> - إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال ، وقال الصفائي عما في معناه : إنه موضوع . كشف الخفاء / 1 / 86 رقم / 220 . ( 1 ) « فيقول هل فلان في دارك ؟ » سقطت من ط . ( 2 ) « أن في المعاريض حيث يضطر الإنسان إليها تجوز ولذلك قيل » سقطت من ط فقط .